مجموعة مؤلفين
23
مع الركب الحسيني
لكنّ التأريخ يثبت أنّ الإمام عليه السلام لم يعتمد هذا النظر ولم يتحرّك على أساسه لعلمه عليه السلام بما سيؤول إليه موقف أهل الكوفة من قبل ذلك ( لإعتقادنا الحقّ بأنّ الأئمة عليهم السلام يعلمون بما كان وبما سيكون إلى قيام الساعة ) ، ودلائل تأريخية عديدة أيضاً تؤكّد أنه عليه السلام كان يعلم منذ البدء أنّ أهل الكوفة سوف يخذلونه ويقتلونه ، « 1 » ولأنّ أنباء الكوفة بعد مقتل مسلم عليه السلام تدافعت إلى الإمام عليه السلام بسرعة مؤكّدة على أنّ أهل الكوفة - إلّا من رحم اللّه - قد أصبحوا إلباً على الإمام عليه السلام بعد أن عبّأهم ابن زياد لقتاله . فلا يبقى إذن إلّا أن نقول : « إنّ الإمام عليه السلام واصل التزامه بالوفاء بهذا الموعد والقول ، واصرَّ على التوجّه إلى الكوفة لا لأنّ لأهل الكوفة حجّة باقية عليه في الواقع ، بل لأنّه لم يشأ أن يدع أيّ مجال لإمكان القول بأنّه لم يفِ تماماً بالعهد لو كان قد انصرف عن التوجّه إلى الكوفة في بعض مراحل الطريق ، حتّى بعد أن أغلق جيش الحرّ دونه الطريق إليها ، ذلك لأنّ الإمام عليه السلام مع تمام حجّته البالغة على أهل الكوفة أراد في المقابل بلوغ تمام العذر وعلى أكمل وجه فيما قد يُتصوَّر أنّ لهم حجّة باقية عليه ، بحيث لا يبقى مجال للطعن في وفائه بالعهد . » . « 2 »
--> ( 1 ) منها قوله ليزيد بن الرشك : « هذه كتب أهل الكوفة إليَّ ولا أراهم إلّا قاتليَّ . . » ( تاريخ ابن عساكر ( ترجمة الإمام الحسين عليه السلام / تحقيق المحمودي » : 211 ، رقم 266 ) ، ومنها قوله عليه السلام : « وخير لي مصرع أنا لاقيه » ( اللهوف : 25 ) ، وقوله عليه السلام : « الموعد حفرتي وبقعتي التي أستشهد فيها وهي كربلاء » ( اللهوف : 28 ) وقوله عليه السلام لأم سلمة ( رض ) : « يا أمّاه ، قد شاء اللّه عز وجلّ أن يراني مقتولًا مذبوحاً ظلماً وعدواناً . . » ( بحار الأنوار ، 44 : 331 - 332 ) ، وقوله عليه السلام لأخيه محمد بن الحنفيّة ( رض ) : « أتاني رسول اللّه صلى الله عليه وآله بعد ما فارقتك ، فقال : يا حسين أخرج فإنّ اللّه قد شاء أن يراك قتيلًا » ( اللهوف : 27 ) ، وهناك غير هذه شواهد كثيرة على علمه عليه السلام بمصيره وبخذلان أهل الكوفة له . ( 2 ) الجزء الأوّل من هذه الدراسة ( مقالة : بين يدي الشهيد الفاتح ) : 161 .